ابن كثير

307

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ذرعا فأرسل اللّه السكينة وهي ريح خجوج « 1 » ولها رأسان ، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت إلى مكة فتطوّت على موضع البيت كطي الحجفة « 2 » ، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة ، فبنى إبراهيم وبقي الحجر فذهب الغلام يبغي شيئا ، فقال إبراهيم : أبغني حجرا كما آمرك ، قال : فانطلق الغلام يلتمس له حجرا فأتاه به فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه ، قال : يا أبت من أتاك بهذا الحجر ؟ قال : أتاني به من لم يتكل على بنائك ، جاء به جبريل عليه السلام من السماء فأتماه . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد اللّه بن يزيد المقري ، أخبرنا سفيان عن بشر بن عاصم ، عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار ، قال : كان البيت غثاءة « 3 » على الماء قبل أن يخلق اللّه الأرض بأربعين عاما ، ومنه دحيت الأرض . قال سعيد : وحدثنا علي بن أبي طالب : أن إبراهيم أقبل من أرض أرمينية ومعه السكينة تدله على تبوء البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتا ، قال : فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجر إلا ثلاثون رجلا ، فقلت : يا أبا محمد فإن اللّه يقول وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [ البقرة : 127 ] قال : كان ذلك بعد ، وقال السدي : إن اللّه عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل ، ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود . فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت ، فبعث اللّه ريحا يقال لها الريح الخجوج ، لها جناحان ورأس في صورة حية ، فكشفت لهما حول الكعبة عن أساس البيت الأول ، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس ، فذلك حين يقول تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ، وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن ، قال إبراهيم لإسماعيل : يا بني ، اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا . قال : يا أبت إني كسلان لغب « 4 » ، قال : عليّ بذلك ، فانطلق يطلب له حجرا فجاءه بحجر فلم يرضه فقال : ائتني بحجر أحسن من هذا فانطلق يطلب له حجرا ، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند ، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة « 5 » ، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس ، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن ، فقال : يا أبت من جاءك بهذا ؟ قال : جاء به من هو أنشط منك ، فبينا هما يدعوان الكلمات التي ابتلى إبراهيم ربه ، فقال رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم ، وإنما هدي إبراهيم إليها وبوئ لها ، وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ، كما قال الإمام عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن

--> ( 1 ) ريح خجوج : شديدة ملتوية في هبوبها . ( 2 ) الجحفة : الترس . ( 3 ) الغثاءة : ما يحتمله السيل . ( 4 ) لغب : تعب . ( 5 ) الثغامة : شجرة بيضاء الثمر والزهر ، تنبت في قنة الجبل . وإذا يبست اشتدّ بياضها .